أبو نصر الفارابي
104
الجمع بين رأيي الحكيمين
والشرعيات موكولة إلى ذوي « 201 » الالهامات الروحانية . واعمّ هذه كلها الشرعيات ، وألفاظها خارجة عن مقادير عقول المخاطبين . ولذلك لا يؤاخذون بما « 202 » لا يطيقون تصوره . فان من تصوّر في امر المبدع الأول انه جسم ، وانه يفعل بحركة وزمان ، ثم لا يقدر ، بذهنه ، على تصوّر ما هو الطف من ذلك وأليق به ، ومهما توهّم انه غير جسيم ، وانه يفعل فعلا بلا حركة وزمان « 203 » ، لا يثبت في ذهنه « 204 » معنى متصوّر البتّة . وان أجبر على ذلك زاد غيّا وضلالا ؛ وكان فيما يتصوره ويعتقده « 205 » معذورا مصيبا . ثم يقدر بذهنه على أن يعلم أنه غير جسيم ، وان فعله بلا حركة ؛ غير أنه لا يقدر على تصور انه لا في مكان ؛ وان أجبر « 206 » على ذلك وكلّف تصوّره تبلّد ، فإنه يترك على حاله ولا يساق إلى غيرها . وكذلك لا يقدر الجمهور على معرفة شيء يحدث لا عن شيء ، ويفسد « 207 » لا إلى شيء ؛ فلذلك ما قد خوطبوا بما قدروا على تصوّره وادراكه وتفهّمه ، لا يجوز ان ينسب شيء من ذلك فيما هو في موضعه إلى الخطأ والوهي ؛ بل كل ذلك صواب مستقيم . فطرق البراهين الحقيقة منشأها من عند الفلاسفة الذين مقدّمهم هذان الحكيمان ، اعني أفلاطون وارسطوطاليس . واما طريق البراهين المقنعة المستقيمة العجيبة النفع ، فمنشؤها من عند أصحاب الشرائع الذين عوّضوا بالابداع الوحي والالهامات . ومن كان هذا سبيله ومحلّه من ايضاح الحجج وإقامة البراهين على وحدانية الصانع الحق ، وكان أقاويله في كيفية الابداع وتلخيص معناه « 208 » بأقاويل هذين الحكيمين ، فمستنكر « 209 » ان يظن بهما فسادا يعتري ما يعتقدانه ، وان رأييهما مدخولان فيما يسلكانه .
--> ( 201 ) « ب » ناقص [ الآراء . . . إلى ذوي ] . ( 202 ) « ا » « ب » ما ؛ « د » بما . ( 203 ) « ا » وزمان ؛ « ب » ناقص [ وزمان ] . ( 204 ) « ا » ذهنه ؛ « ب » وهمه . ( 205 ) « ا » « ب » يعتقده ؛ « د » ويعتقده . ( 206 ) « ا » « ب » أجيز ؛ « د » أجبر . ( 207 ) « ا » ويفسد ؛ « ب » ويقدر . ( 208 ) « ب » ناقص [ معناه ] . ( 209 ) « ا » فمستنكر ؛ « ب » فمن المستنكر .